فخر الدين الرازي
216
تفسير الرازي
الطاعة إلا ويمكن الإتيان بما هو أزيد منه ، فلو كان ذلك موجباً للوم لامتنع الانفكاك عنه وما كان كذلك لا يكون مطلوب الحصول ، ولا يلام على ترك تحصيله والجواب : عن الكل أن يحمل اللوم على تمني الزيادة ، وحينئذ تسقط هذه الأسئلة وثانيها : أن النفس اللوامة هي النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى . ثالثها : أنها هي النفوس الشريفة التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الطاعة ، وعن الحسن أن المؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه ، وأما الجاهل فإنه يكون راضياً بما هو فيه من الأحوال الخسيسة ورابعها : أنها نفس آدم لم تزل تلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة وخامسها : المراد نفوس الأشقياء حين شاهدت أحوال القيامة وأهوالها ، فإنها تلوم نفسها على ما صدر عنها من المعاصي ، ونظيره قوله تعالى : * ( أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت ) * ( الزمر : 56 ) وسادسها : أن الإنسان خلق ملولا ، فأي شيء طلبه إذا وجده مله ، فحينئذ يلوم نفسه على أني لم طلبته ، فلكثرة هذا العمل سمي بالنفس اللوامة ، ونظيره قوله تعالى : * ( إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً * وإذا مسه الخير منوعاً ) * ( المعارج : 19 - 21 ) واعلم أن قوله لوامة ، ينبئ عن التكرار والإعادة ، وكذا القول في لوام وعذاب وضرار . المسألة الثالثة : إعلم أن في الآية إشكالات أحدها : ما المناسبة بين القيامة وبين النفس اللوامة ، حتى جمع الله بينهما في القسم ؟ وثانيها : المقسم عليه ، هو وقوع القيامة فيصير حاصلة أنه تعالى أقسم بوقوع القيامة وثالثها : لم قال : * ( لا أقسم بيوم القيامة ) * ولم يقل : والقيامة ، كما قال في سائر السور ، والطور والذاريات والضحى ؟ والجواب : عن الأول من وجوه أحدها : أن أحوال القيامة عجيبة جداً ، ثم المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النفوس اللوامة . أعني سعادتها وشقاوتها ، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشديدة وثانيها : أن القسم بالنفس اللوامة تنبيه على عجائب أحوال النفس على ما قال عليه الصلاة والسلام : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن أحوالها العجيبة ، قوله تعالى : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) وقوله : * ( إنا عرضنا الأمانة ) * إلى قوله * ( وحملها الإنسان ) * ( الأحزاب : 72 ) وقال قائلون : القسم وقع بالنفس اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبداً تستحقر فعلها وجدها واجتهادها في طاعة الله ، وقال آخرون : إنه تعالى أقسم بالقيامة ، ولم يقسم بالنفس اللوامة ، وهذا على القراءة الشاذة التي رويناها عن الحسن ، فكأنه تعالى قال : * ( أقسم بيوم القيامة ) * تعظيماً لها ، ولا أقسم بالنفس تحقيراً لها ، لأن النفس اللوامة إما أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها ، وإما أن تكون فاسقة مقصرة في العمل ، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة . وأما السؤال الثاني : فالجواب عنه ما ذكرنا أن المحققين قالوا : القسم بهذه الأشياء قسم بربها وخالقها في الحقيقة ، فكأنه قيل : أقسم برب القيامة على وقوع يوم القيامة .